يشرح راز سيجال في افتتاح مقاله أنّ الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي يرسّخ فكرة أنّ ما يحدث في غزة ليس حربًا محدودة بزمن، بل مشروع ممتدّ يطال البشر والأرض والذاكرة. يصف الكاتب استمرار القتل والإصابات والدمار بعد 10 أكتوبر باعتباره دليلًا على أنّ وقف إطلاق النار لم يوقف شيئًا فعليًا، وأنّ غزة ما زالت تواجه عنفًا واسعًا يلاحق المدنيين ويقوّض حياتهم.

 

خطاب يشرعن الإبادة ويحوّلها إلى “حرب حضارية”

 

يعرض المقال تصريحات سياسيين إسرائيليين، مثل سمحا روثمان وإسحاق هرتسوغ، بوصفها جزءًا من خطاب يصوّر الحرب على غزة كواجهة لمعركة كبرى لحماية “الحضارة الغربية”. يشير الكاتب إلى أنّ تصوير الفلسطينيين كأعداء جوهريين أو كأفكار تهدد الغرب يمثّل امتدادًا لرؤية استعمارية قديمة كانت تبرّر العنف ضد الشعوب الأصلية.

 

ويشير سيجال إلى تسجيلات لجنود وضباط إسرائيليين يعلنون فيها عقائد قتال تجرّد الفلسطينيين من إنسانيتهم، وتعاملهم كأهداف قابلة للقتل، وتدعو إلى السيطرة الكاملة على الأرض باعتبارها التفسير “الأخلاقي” للحرب

 

نكبة مستمرة تتجاوز غزة

 

يؤكد الكاتب أنّ ما يحدث في غزة لا ينفصل عن نكبة 1948، وأنّ القتل والتهجير الذي يطال الفلسطينيين اليوم يعيد إنتاج العنف المؤسس الذي نشأت عليه إسرائيل. يصف امتداد الاعتداءات إلى الضفة الغربية، خصوصًا الأغوار، باعتبارها دليلًا على مشروع يهدف إلى اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم بصورة منهجية.

 

ويحذّر سيجال من أنّ إسرائيل تستند إلى سردية تفوق أخلاقي مبنية على خصوصية الهولوكوست، لتبرير سياسات توسعية وتدميرية، بينما تُسخَّر هذه السردية ضد القانون الدولي بدلًا من أن تدعمه.

 

مسار العدالة المعطّل

 

يوضح المقال أنّ استمرار الدعم الغربي لإسرائيل بالسلاح والغطاء الدبلوماسي يفتح الباب أمام الإبادة ويجعل آليات القانون الدولي عاجزة. يذكر الكاتب أنّ محكمة العدل الدولية أشارت إلى أنّ المؤشرات على نوايا الإبادة واضحة، لكن هذا لم يوقف القتل أو الدمار، بينما استمرت دول كبرى في توفير الأسلحة والمساندة الدبلوماسية، ما يجعلها شريكة في الجريمة.

 

ويشير سيجال إلى أنّ مذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية بحق بنيامين نتنياهو ويوآف جالانت تبدو بعيدة عن التنفيذ، ما يعكس ضعف النظام الدولي في مواجهة الدول المدعومة بقوة سياسية واقتصادية.

 

عالم يعيد إنتاج العنف ذاته

 

يستدعي الكاتب تجارب تاريخية كالحروب اليوغوسلافية ليؤكد أنّ محاكمة بعض القادة لا تكفي لكسر البنية السياسية التي تسمح بوقوع الجرائم الكبرى. ويطرح فكرة أنّ النظام الدولي الحالي، بما فيه من قوميات متشددة وإرث استعماري وتفوّق أبيض، يعيد إنتاج الظروف التي سمحت بحدوث الهولوكوست، وأنّ غزة إحدى ضحايا هذا العالم الذي يعيش “الإبادة مرة أخرى”.

 

غزة كنموذج لعالم عنيف

 

يشرح سيجال أنّ انتشار فيديوهات الجنود الإسرائيليين الذين يوثّقون جرائمهم يعكس أنّ هدفًا آخر يتجاوز الحرب: نشر رسالة أنّ الدولة القوية تستطيع سحق أي مقاومة بلا خوف من القانون. ويرى أنّ هذا النموذج ينسجم مع عالم يقترب من أزمات مناخية واقتصادية ونزوح جماعي قد يشمل مئات الملايين، ما يجعل سياسات القمع والإبادة نموذجًا لسياسات مستقبلية تتبناها دول قوية ضد شعوب مهدّدة.

 

صوت الشعوب في مواجهة هذا الواقع

 

يختم الكاتب بتأكيد أنّ الشعوب حول العالم رفضت هذا المسار. خرج الناس إلى الشوارع رغم المخاطر، رفضوا الرواية الرسمية، وساندوا غزة وفلسطين باعتبار ذلك جزءًا من نضال أكبر من أجل العدالة والكرامة ضد قوى سياسية لا تمثلهم ولا تعكس مصالحهم.

 

ويشير سيجال إلى أنّ هذا الحراك الجماهيري العالمي يقدّم بارقة أمل، لأنّ مقاومة الإبادة لا تحدث فقط داخل ساحات القانون والمؤسسات، بل في ضمير الناس وفي قدرتهم على الاستمرار في قول الحقيقة.

 

https://www.theguardian.com/commentisfree/2025/nov/28/the-genocide-in-gaza-is-far-from-over